السيد هاشم البحراني
351
البرهان في تفسير القرآن
تحت الشجرة ، فأقبلت حواء فرأته ، فلما قربت منه ، نادته : أيها الشخص ، من أنت ؟ قال : أنا خلق من خلق الله تعالى ، وأنا في هذه الجنة منذ ألف عام ، خلقني كما خلقكما بيده ، ونفخ في روحه ، وأسجد لي ملائكته وأسكنني جنته ، ونهاني عن أكل هذه الشجرة ، فكنت لا آكل منها حتى نصحني بعض الملائكة ، وقال لي : كل منها ، فإن من أكل منها كان مخلدا في الجنة أبدا وحلف لي أنه لمن الناصحين ، فوثقت بيمينه وأكلت منها ، فأنا في الجنة إلى يومي هذا كما ترين ، وقد أمنت من الهرم والسقم والموت والخروج من الجنة . فقال لها إبليس بعد ما حكى لها : والله ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين . فناداها : يا حواء ، كلي منها ، فإنها أطيب ما أكلت من ثمار الجنة ، فأسرعي إليها واسبقي زوجك ، فإن من سبق كان له الفضل على صاحبه ، أما تنظرين إلي كيف آكل منها ؟ هذا والحية واقفة تسمع ما يقول إبليس ( لعنه الله ) لحواء ، فالتفتت حواء للحية ، وقالت : أنت معي منذ أدخلني الله الجنة ، ولم تخبريني بهذا الكلام ؟ ! وسكتت الحية ، ولم تدر ما يقول إبليس اللعين في جواب حواء « 1 » ، ورغبت عن الكلام ، وما كان من أمرها الذي قد ضمن لها إبليس أن يعلمها الثلاث كلمات . فأقبلت حواء إلى آدم ( عليه السلام ) ، وكانت مسرورة بقول الحية لها ، ومقالة إبليس تحت الشجرة ، وأخبرته بخبر الحية والشخص وقد حلف لهما نصحا ، وذلك قوله تعالى : وقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ ) * « 2 » وقرب القدر المقدور والقضاء المبرم ، وخروجهم من الجنة ، وهو الأمر المحتوم ، فركنا جميعا إلى قول إبليس اللعين وقسمه فتقدمت حواء إلى تلك الشجرة ، ولها أغصان لا تحصى ، وعلى الأغصان سنابل ، كل حبة منها مثل القلة ، ولها رائحة كالمسك الأذفر ، أشد بياضا من اللبن ، وأحلى من العسل ، فأخذت سبع سنابل من سبعة أغصان ، فقال اللعين : كلي منها يا حواء ، يا زينة الجنة . فأكلت واحدة ، وادخرت لها واحدة ، وجاءت بخمس منها إلى آدم ( عليه السلام ) ، ولم يكن لآدم ( عليه السلام ) في ذلك أمر ولا نهي ، بل كان ذلك في سابق علم الله تعالى حين افتخرت السماء على الأرض ، وشكت الأرض إلى ربها ، وقال : يا أرض اسكني . وقال للملائكة : إِنِّي جاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً « 3 » . فتناول آدم ( عليه السلام ) من السنابل سنبلة واحدة من يدها ، وقد نسي العهد المأخوذ عليه ، فذلك قوله تعالى : فَنَسِيَ ولَمْ نَجِدْ لَه عَزْماً « 4 » ، أي جزما - قال - فذاق آدم ( عليه السلام ) من الشجرة كما ذاقت حواء ، فذلك قوله تعالى : فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما « 5 » . 5844 / [ 8 ] - وعنه : قال ابن عباس ( رضي الله عنه ) سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : « والذي نفسي بيده ، ما ساغ آدم ( عليه السلام ) من تلك السنابل إلا سنبلة واحدة حتى طار التاج عن رأسه ، وتعارى من لباسه ، وانتزعت
--> 8 - تحفة الإخوان : 70 « مخطوط » . ( 1 ) في المصدر : ما تقول وخافت من رضوان . ( 2 ) الأعراف 7 : 21 . ( 3 ) البقرة 2 : 30 . ( 4 ) طه 20 : 115 . ( 5 ) الأعراف 7 : 22 .